الجصاص

337

أحكام القرآن

ويحتج لقول من قال بالمثلين في آخر وقت الظهر بظاهر قوله : ( أقم الصلاة طرفي النهار ) [ هود : 114 ] وذلك يقتضي فعل العصر بعد المثلين ، لأنه كلما كان أقرب إلى وقت الغروب فهو أولى باسم الطرف ، وإذا كان وقت العصر من المثلين فما قبله من وقت الظهر ، لحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول وقت الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر " . ويحتج أيضا لهذا القول بظاهر قوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) [ الإسراء : 78 ] . وقد بينا أن الدلوك يحتمل الزوال ، فإذا أريد به ذلك اقتضى ظاهره امتداد الوقت إلى الغروب ، إلا أنه ثبت أن ما بعد المثلين ليس بوقت للظهر ، فوجب أن يثبت إلى المثلين بالظاهر . ويحتج فيه من جهة السنة بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أجلكم في أجل من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، ومثلكم ومثل أهل الكتابين قبلكم كرجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي ما بين غدوة إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود ، ثم قال من يعمل لي ما بين نصف النهار إلى العصر على قيراط ؟ فعملت النصارى ، ثم قال من يعمل لي ما بين العصر إلى المغرب على قيراطين ؟ فعملتم أنتم ، فغضبت اليهود والنصارى فقالوا كنا أكثر عملا وأقل عطاء ! قال هل نقصتم من جعلكم شيئا ؟ قالوا لا ، قال فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء " . مطلب : في بيان قوله عليه السلام : " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأن ذلك مقدر بنصف السبع من مدة الدنيا ودلالة هذا الخبر على ما ذكرنا من وجهين ، أحدهما : قوله : " أجلكم في أجل من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس " وإنما أراد بذلك الإخبار عن قصر الوقت ، وقال صلى الله عليه وسلم : " بعثت أنا والساعة كهاتين " وجمع بين السبابة والوسطى ، وفي خبر آخر : " كما بين هذه وهذه " ، فأخبر فيه أن الذي بقي من مدة الدنيا كنقصان السبابة عن الوسطى ، وقد قدر ذلك بنصف السبع ، فثبت بذلك حين شبه عليه السلام أجلنا في أجل من مضى قبلنا بوقت العصر في قصر مدته أنه لا ينبغي أن يكون من المثل ، لأنه لو كان كذلك لكان أكثر من ذلك ، فدل ذلك على أن وقت العصر بعد المثلين . والوجه الآخر من دلالة الخبر : المثل الذي ضربه عليه السلام لنا ولأهل الكتابين بالعمل في الأوقات المذكورة ، وأنهم غضبوا فقالوا : كنا أكثر عملا وأقل عطاء ، فلو كان وقت العصر في المثل لما كانت النصارى أكثر عملا من المسلمين ، بل كان يكون المسلمون أكثر عملا لأن ما بين المثل إلى الغروب أكثر مما بين الزوال إلى المثل ، فثبت بذلك أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر .